ابن الجوزي
146
كتاب ذم الهوى
فقال : لعمري لقد كان هذا نظر شؤم عليك ، ألبسك طول العناء وأورثك إدمان البكاء . فقال : هذا لعمري كذاك لقد بكيت حتى نفد دمعي وقلص ، فما أقدر على قطرة إلا في بعض الأيام ، فإذا بكيت وجدت لذلك راحة وسلوانا . قال : فما النظر الذي بلغ بك هذا كله ؟ فقال : حضر بعض أعيادنا فأتاني جماعة وفيهم شخص حيّر عقلي كماله ، فكررت النظر إليه مرارا فزرع في قلبي زرعا لا تحصده المناجل ولا تسفيه الرماح ، ولا يزداد على مرّ الأيام إلا جدة وثباتا ، فلما رأيت ذلك عاتبت قلبي كي يراجعني ، فأبى إلا التعلّق به والتعرّض له والتطلّب لأسباب قربه ، فلما رأيته مقيما على مخالفتي وماضيا على عصياني ، عاهدت اللّه أن لا أرى أحدا ولا يراني ، وهذه عقوبة كلّ طرف مال إلى غير ما أمره اللّه ، حتى يرجع إلى ما أمره ، أو يعلم أنه قد عفي له عما أجرم . ثم أخذ في البكاء ، فانصرفنا وتركناه ! . أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا إبراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا أبو صالح السمرقندي ، قال : حدثنا الحسين بن القاسم اليسع ، قال : أنبأنا أحمد بن محمد بن عمرو الدّينوري ، قال : حدثنا جعفر بن عبد اللّه الصوفي ، قال : قال أبو حمزة : حدثني أبو العمر حسام بن المضاء المصري ، قال : غزوت في زمن الرشيد في بعض المراكب فلجّجنا في البحر فكسر بنا في بعض جزائر صقلّية ، فخرج من أفلت وخرجت معهم ، فرأيت في بعض الجزائر رجلا لا يملك دمعه من كثرة البكاء ، فسألته عن حاله ، وقلت له : ارفق بعينيك ، فإنّ البكاء قد أضرّ بهما ، فقال : إلا ذلك . قلت : ما جنايتهما عليك حتى تتمنى لهما البلاء ؟ فقال : جناية لا أزال إلى اللّه معتذر منها أيام حياتي . قلت : وما هي ؟ قال : سرعة نظرهما إلى الأمور المحظورة عليهما ، ولقد أوقعاني في ذنب نظرت إليه لولا الرجاء لرحمة اللّه ليئست أن يعفى عنه لي . فبا للّه لو صفح اللّه لي عنه وأدخلني الجنة ، ثم تراءى لي لاستحييت أن أنظر إليه بعينين عصتاه ! . ثم صعق وخرّ مغشيا عليه .